شرح المناجاة الشعبانية

إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

شرح المناجاة الشعبانية

مُساهمة من طرف الحق في السبت يونيو 30, 2012 11:48 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين

سنتناول اليوم إن شاء الله شرح للمناجاة الشعبانية منقولا من شبكة السراج في الطريق إلى الله
المحاضرة : الأولى


1- إن من المتعارف في شهر شعبان قراءة هذه المناجاة الرائعة ، المتميزة بأنها مناجاة علي والأئمة من ولده ، حيث كانوا يدعون بها في شهر شعبان.. والملتفت المتأمل إلى ما ورد عن أهل البيت (ع) من الأدعية ، يلاحظ بأنها تعكس معارف ومفاهيم رائعة أساسية في الحياة ، لم ترد على لسان أحد من المسلمين فضلاً عن غيرهم.. ولكن مع الأسف أسيء التعامل مع هذه الأدعية ، حيث حصرها البعض على التلاوة المجردة من التأمل والتدبر ، المقضي للإتباع والاقتداء.


2- من الملاحظ أن المناجاة تبدأ بالصلاة على النبي (ص) : (اللهم صل على محمد وآل محمد) ، وفي هذا إشارة إلى ما ورد من استحباب الصلاة على النبي (ص) قبل الدعاء وبعده ، فإن الله عزوجل أجل من أن يستجيب الطرفين ويهمل الوسط ، كما هو مضمون بعض الروايات الشريفة.


3- ثم يعقب الإمام (ع) بقوله : (واسمع دعائي إذا دعوتك ، واسمع ندائي إذا ناديتك ، وأقبل علي إذا ناجيتك..) : مع أن المؤمن قد يناجي ربه بهذه المضامين الراقية ، والعبارات المؤثرة ، بالإضافة إلى حالة الافتقار والتضرع والاستكانة ، إلا أنه إذا كانت الأبواب مقفلة ، وكان الله عزوجل معرضاً عن عبده ، فإنه لا يسمع نداءه.. فما الفائدة من كل ذلك ؟!.. فإذن، إن المؤمن يحتاج إلى طرق جاد على هذه الأبواب -وهذا ما فعله الإمام (ع)- ؛ لكي تفتح له الأبواب أولاً ، ثم يبادر بتعداد طلباته ثانياً.
ومن هنا من اللازم على من يريد سماع دعائه فضلاً عن استجابته ، أن يتجنب كل ما من شانه أن يحجب صوته ، ويمنع إقبال الرب تعالى عليه ، وأن يعمل ما يوجب نظره تعالى إليه.



4- إن من صور الخذلان الإلهي لعبده الداعي :

* النعاس الشديد والكسل عند العمل العبادي.. كما يقول إمامنا السجاد (ع) ، في دعاء سحره : (اللَّهُمَّ إِنِّي كُلَّمَا قُلْتُ ، قَدْ تَهَيَّأْتُ وَتَعَبَّأْتُ ، وَقُمْتُ لِلصَّلاَةِ بَيْنَ يَدَيْكَ وَنَاجَيْتُكَ ، أَلْقَيْتَ عَلَيَّ نُعَاساً إِذَا أَنَا صَلَّيْتُ..).. فإن هذه الحالة من التكاسل والفتور ، علامة على الطرد الإلهي.





* الحرمان من الإقبال في المناجاة.. حيث أيضاً يقول إمامنا السجاد (ع) : (وَسَلَبْتَنِي مُنَاجَاتَكَ إِذَا أَنَا نَاجَيْتُ..).. نعم، هو بحسب الظاهر يناجي الله عزوجل ، ولكن ليست هنالك مناجاة حقيقية ، إذ قلبه مشغول وملتفت إلى سوى الله عزوجل.



* إيقاعه في البلاء.. السلامة من الوقوع في الذنب ، هي من النعم الكبرى على العبد المؤمن من الله عزوجل ، والتي تدل على إدخاله إياه في رحمته.. ولكن الإنسان قد يعمل ما يوجب له خسران هذه النعمة ، فيكله رب العالمين إلى نفسه ، ومن هنا يقع في المعصية ، التي تكشف له حقيقة ضعفه ، وعدم صدقه في دعوى القرب.. والإمام يشير إلى ذلك حيث يقول : (مَا لِي كُلَّمَا قُلْتُ قَدْ صَلُحَتْ سَرِيرَتِي ، وَقَرُبَ مِنْ مَجَالِسِ التَّوَّابِينَ مَجْلِسِي ، عَرَضَتْ لِي بَلِيَّةٌ أَزَالَتْ قَدَمِي ، وَحَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ خِدْمَتِكَ، سَيِّدِي ..).



5- ثم إن الإمام السجاد (ع) في دعاء سحره يعدد بعض موجبات هذا الطرد ، فيقول (ع) :

- (لَعَلَّكَ عَنْ بَابِكَ طَرَدْتَنِي ، وَعَنْ خِدْمَتِكَ نَحَّيْتَنِي ، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي مُسْتَخِفّاً بِحَقِّكَ فَأَقْصَيْتَنِي..) : إن الإنسان الذي يرتكب المعصية عن جهل وعدم إصرار ، فإنه- بلا شك- في مظان الرحمة الإلهية.. ولكن المشكلة في الذي يتجاهل ولا يكترث بالمعصية ، متحدياً لأمر الله عزوجل ، ومتعدياً لحدوده ؛ فإن هذا لا يكون في معرض عدم التجاوز والصفح الإلهي ، بل للعتاب والعقاب الشديد ، كما يقول تعالى : {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ}.


ومن هنا قيل : بأن المغفرة الإلهية في حالات غلبة الشهوة ، أقرب من نضيرها في حال اشتداد الغضب ، لاختلاف المقهورية بين الحالتين.. إذ هي في الحالة الثانية برغم من أن الغاضب يخرج من طوره ، إلا أنه ما يزال مدركاً لتعديه عن الحد الإلهي.




- ( أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي مُعْرِضاً عَنْكَ فَقَلَيْتَنِي..) : إن الله عزوجل - بفضله وكرمه- قد يمن على عبده بمائدة شهية لذيذة من الإقبال عليه ، إلا أنه هذا الظلوم الجهول لا يقدر ما أنعم الله تعالى عليه ، فيبادر في كل لغو وباطل ، مما يوجب له الحرمان الشديد.. ولهذا فإن أولياء الله عزوجل برغم أنهم يعيشون حالة الفرح من ساعات الإقبال والمنحة ، إلا أنه ينتابهم شعور بالقلق ، إذ أن الشيطان بالمرصاد.. ولهذا فمن المناسب جداً الاستعاذة بعد الأعمال الصالحة ، وبعد كل وجبة إقبال على الله تعالى ، لأن الشيطان يشحذ همته لطعن بني آدم أيما طعنة !..



- (أَوْ لَعَلَّكَ وَجَدْتَنِي فِي مَقَامِ الْكَاذِبِينَ فَرَفَضْتَنِي..) : إن الإنسان الذي يريد القرب من الله عزوجل ، ثم هو في مقام العمل يعمل ما يوجب البعد عنه تعالى ، ألا يصدق عليه الكذب ؟!.. ومثله الذي يعاهد الله تعالى بالتوبة ، ثم ما يلبث أن يسقط ويخون رب العالمين.. حقيقة لولا رحمة الله عزوجل وغفرانه ، لحق أن يعاقب عبده يومياً على إقراره بهذه العبارة : {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ، في حين أن قلبه معلق بكل زيد وعمر وفانٍ !.


- ( أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي غَيْرَ شَاكِرٍ لِنَعْمَائِكَ فَحَرَمْتَنِي..) : إن الحقيقة المؤلمة أن الإنسان في زحمة الحياة اليومية ينسى شكر مولاه عزوجل ، ذلك الشكر الحقيقي ، لا الاكتفاء بتمتمات على الألسن!.. ومن هنا فإنه مما يروى عن الإمام المعصوم (ع) : أنه كان يبادر بالسجود فور تذكره لنعمة ما ، ولو كان في مكان غير مناسب -كالطريق مثلاً- ، معللاً أن التأخير لا يناسب مقام الله عزوجل وذكر آلائه.



- (أَوْ لَعَلَّكَ فَقَدْتَنِي مِنْ مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ فَخَذَلْتَنِي..) : إن التعبير بـ(مجالس العلماء) لا يقتصر على معنى الحضور ، بل هو معنى عام يشمل كل ما من شأنه أن يعمل تأثيراً أو تغييراً في الإنسان ، من مصادر الثقافة المسموعة والمرئية والمقروءة ؛ فإن الذي يبتعد عن ذلك ، فسيكون في معرض الخذلان الإلهي.



- ( أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي فِي الْغَافِلِينَ فَمِنْ رَحْمَتِكَ آيَسْتَنِي ، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي آلِفَ مَجَالِسَ الْبَطَّالِينَ فَبَيْنِي وَبَيْنَهُمْ خَلَّيْتَنِي..) : إن الارتياح مع الغافلين والإنس بالبطالين والحنين لفراقهم ، من موجبات الخذلان.. ولهذا فاللازم على المؤمن عندما يضطر لمعاشرة هؤلاء ، أن يكون معهم ببدنه فقط لا بروحه ، تجنباً لسلبيات ذلك.


- ( أَوْ لَعَلَّكَ لَمْ تُحِبَّ أَنْ تَسْمَعَ دُعَائِي فَبَاعَدْتَنِي..) : من اللازم على الإنسان أن يحسن مراقبة نفسه في كل أموره -صغيرها وكبيرها- : فلا يحتقر ذنباً ، فلعله هو المهلك ؛ ولا يحتقر طاعة ، فلعلها هي المنجية ؛ ولا يحتقر ولياً من أولياء الله عزوجل ، فلعل هذا هو الولي الذي يغضب الله تعالى لغضبه.

يـــــتــــــــبـــــع

الحق
عضو نشيط
عضو نشيط

عدد المساهمات : 125
نقاط : 363
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 24/06/2012

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: شرح المناجاة الشعبانية

مُساهمة من طرف الحق في السبت يونيو 30, 2012 11:49 pm

اللهم صل على محمد وال محمد الابرار الاخيار

- من الفقرات الجميلة في هذه المناجاة الرائعة هذا التعبير البليغ للإمام (ع) ، حيث يناجي ربه فيقول : (فقد هربت إليك..).. إن مفهوم الهروب إلى الله عزوجل من المفاهيم الجذرية العميقة في حركة المؤمن إلى الله تعالى ، ومن المعلوم بأنه اصطلاح قرآني ، فقد أمر الله عزوجل عباده بالفرار إليه ، كما جاء في قوله تعالى : {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ}..

إن للهروب إلى الله تعالى -كأي هروب- له ركنان أساسيان :

الأول : الخوف والهلع الشديد من الجهة المهروب منها.

والثاني: الجهة المهروب إليها.

إذ أن الإنسان الهارب -بلا شك- أنه لا يهرب من فراغ أو عدم ، بل لتيقنه بوجود عدو أولاً ، ومعرفته بإضماره له بالشر ثانياً ، مع كونه متمكناً وله القدرة على الإيذاء ثالثاً.. وبما أنه في حركته هذه يحاول النجاة بنفسه ، فمن المؤكد أنه لا يفر إلا إلى موجود ، وكله اطمئنان بقدرته على حمايته ، بالإضافة إلى كون الوصول إليه ممكناً ميسراً.. فمثله كمن يريد أن ينجو بنفسه من أسد ضارٍ ، وأمامه قلعة حصينة منيعة ؛ فمن المقطوع المسلّم به بأن هذا الإنسان سيبذل قصارى جهده ووسعه ، ليصل إلى مأمنه ، وهو ذلك الحصن المنيع.. فإذن، الإنسان إذا عاش هذين الركنين بجميع عناصرها ، فإنه في المقابل ستتولد لديه حركة قهرية في الحياة ، وهذا بدوره سيوجب تحقق ما ندعو إليه دائماً ، من مجاهدة النفس ، والكدح ، والفرار إلى الله تعالى ؛ بشكل تلقائي.



2- إن القرآن الكريم يصرح في مواطن عديدة بأن الشيطان عدو للإنسان ، ويحذر من إتباعه ، كما يؤكد بضرورة مبادلته العداوة والحذر الشديد منه.. ومن هذه الآيات هو قوله تعالى : {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} ، وقوله تعالى : {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} ، وكذلك قوله تعالى : {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا}.. فلماذا إذن هذه الاستهانة بالشيطان ؟!.. ولماذا هذا الركون عن مواجهته ؟!.. ولماذا لا يتخذ الإنسان موقفاً جاداً ضد هذا العدو ، الذي لا ينفك في الترصد له ؟!.. أو ليس هو بصريح الآيات من ألد أعداء بني آدم ؟!.. أليس هو الذي أقسم بعزة الرحمن على غواية بني آدم : {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} ؟!.. أليس هو الذي يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم ؟!.. فهو إذن، بحق متمكن ، إذ له القدرة والخبرة العريقة في تنفيذ وعده.. أضف إلى جنوده في مملكة النفس وهما : الهوى ، والغضب ؛ فهذان إذا توافقا مع الشيطان ، أمكنهما أن يحدثا انقلاباً على سلطان وجوده ، وهو العقل.. ثم أنه لو لم يكن قادراً على ذلك ، لرأينا إبطالاً لذلك القسم ورداً عليه في القرآن الكريم.. والحال بأنه بالفعل عدو متمكن أيما تمكن ، فهلا انتبهنا لذلك ؟!.



3- وفي المقابل لذلك العدو اللدود ، هنالك قلعة حصينة ، أُمرنا بالالتجاء إليها ، ألا وهو رب العباد أجمعين ، ومن بيده ناصيتهم.. إن الشيطان مع كل ما لديه من القدرة والحيل والسبل للقضاء على بني آدم ، إلا أن كيده ضعيفاً -كما يصفه القرآن الكريم- ؛ فهو لا يعدو عن كونه عبد من عبيد الله عزوجل ؛ وإن لله تعالى القدرة على صرف كيده -إذا ما أراد- عن عبده المؤمن ، كما صرفه عن أوليائه طوال التأريخ.

وفي حديث مناسب -يشير إلى ذلك الحصن- للإمام الرضا (ع) عن أبيه عن جده عن النبي (ص) عن جبرئيل : أن الله عزوجل قال : ( لا إله إلا الله حصني ، فمَن دخل حصني أمن من عذابي).. والمقصود هنا هو تحقيق كلمة التوحيد ، بأن لا يرى الإنسان مؤثراً في الوجود إلا الله عزوجل.. وإلا لو كان الأمر مجرد تلفظاً ، لكان المسلمون جميعاً في حصن الله ، والحال بأن الواقع خلاف ذلك.. فإذن، الذي يرى هذه الحقيقة بعين البصيرة ، فيا ترى ألا يتخذ هذه الحقيقة حصنا ً؟!..


وينبغي ألا يغفل الإنسان عن حقيقة أخرى ذكرها القرآن الكريم ، وهي لزوم تجنب كل ما يصد عن ذكر الله عزوجل ، من الاشتغال بالنفس والأموال والأولاد وما شابه ذلك ؛ إلى حد الالتهاء والغفلة ؛ فإن هؤلاء أيضاً من أعداء الإنسان ، بالإضافة إلى العدو الأكبر الشيطان الرجيم.. وعليه، فإن الإنسان الملتفت الذي اكتشف بأن الأعداء يحيطون به من كل جانب ، لاشك في أنه سيهرب إليه تعالى ، بكل ما يستطيع من قوة ، ويتخذه حصناً وملجأًً.



4- ثم يقول الإمام (ع) : (ووقفت بين يديك مستكيناً لك متضرعاً إليك راجياً لما لديك ثوابي..) : إن أغلب الحجاج والمعتمرين يستحضرون هذا المعنى ، عندما يقفون عند باب الكعبة ، غير أنه في الحقيقة معنى ساذج وسطحي.. نعم، إن الله عزوجل جعل الكعبة اتجاهاً موحداً للمسلمين في كل العصور ، ولكنه أيضاً الله تعالى يقول في آية أخرى : {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ}.. فمن المؤكد أن الإنسان وهو في بيت الله تعالى يأنف الحرام.. فلو أن إنساناً - مثلاً- جاءته امرأة ودعته إلى الحرام وهو في بيت الله ، فإنه قطعاً سيردها ؛ لأنه يستعظم هذا الأمر ، ولا يتصور نفسه يقوم بهذا الحرام ، إذ هو يعيش حالة استحضار الهيمنة الإلهية عند البيت ، ولهذا فهو لا يفكر في الحرام فضلاً عن الاشتغال بمقدماته.. فلو أن الإنسان وسع هذه الدائرة ، ورأى الكون كله المسجد الحرام ، فهل يا ترى يبادر في ارتكاب المعصية ؟!.. ولو أنه عاش هذا الشعور من المحرومية الشديدة -كما تشبه بعض الروايات- ، بأن الذي يرتكب الحرام في بيت الله ، كمن زنا بمَحَرم له في البيت الحرام ؛ فهل يفكر أصلاً في الحرام ؟!..

فإذن، الذي يصل إلى هذه الدرجة من ديمومة هذا الشعور بالمعية الإلهية ، فإنه قد حقق ما يسمى بالعصمة الصغرى ، ولعل هذا هو السر في الحديث المعروف : (علماء أمتي أفضل من أنبياء بني أسرائيل) ؛ إذا تجاوزنا في تفسير هذه العبارة إلى غير المعصومين ، وجعلنا المراد ببني إسرائيل غير أولي العزم منهم.

يتبع إن شاء الله ...

الحق
عضو نشيط
عضو نشيط

عدد المساهمات : 125
نقاط : 363
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 24/06/2012

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: شرح المناجاة الشعبانية

مُساهمة من طرف الحق في السبت يونيو 30, 2012 11:49 pm

اللهم صل على محمد وال محمد الابرار الاخيار

- من الفقرات الجميلة في هذه المناجاة الرائعة هذا التعبير البليغ للإمام (ع) ، حيث يناجي ربه فيقول : (فقد هربت إليك..).. إن مفهوم الهروب إلى الله عزوجل من المفاهيم الجذرية العميقة في حركة المؤمن إلى الله تعالى ، ومن المعلوم بأنه اصطلاح قرآني ، فقد أمر الله عزوجل عباده بالفرار إليه ، كما جاء في قوله تعالى : {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ}..

إن للهروب إلى الله تعالى -كأي هروب- له ركنان أساسيان :

الأول : الخوف والهلع الشديد من الجهة المهروب منها.

والثاني: الجهة المهروب إليها.

إذ أن الإنسان الهارب -بلا شك- أنه لا يهرب من فراغ أو عدم ، بل لتيقنه بوجود عدو أولاً ، ومعرفته بإضماره له بالشر ثانياً ، مع كونه متمكناً وله القدرة على الإيذاء ثالثاً.. وبما أنه في حركته هذه يحاول النجاة بنفسه ، فمن المؤكد أنه لا يفر إلا إلى موجود ، وكله اطمئنان بقدرته على حمايته ، بالإضافة إلى كون الوصول إليه ممكناً ميسراً.. فمثله كمن يريد أن ينجو بنفسه من أسد ضارٍ ، وأمامه قلعة حصينة منيعة ؛ فمن المقطوع المسلّم به بأن هذا الإنسان سيبذل قصارى جهده ووسعه ، ليصل إلى مأمنه ، وهو ذلك الحصن المنيع.. فإذن، الإنسان إذا عاش هذين الركنين بجميع عناصرها ، فإنه في المقابل ستتولد لديه حركة قهرية في الحياة ، وهذا بدوره سيوجب تحقق ما ندعو إليه دائماً ، من مجاهدة النفس ، والكدح ، والفرار إلى الله تعالى ؛ بشكل تلقائي.



2- إن القرآن الكريم يصرح في مواطن عديدة بأن الشيطان عدو للإنسان ، ويحذر من إتباعه ، كما يؤكد بضرورة مبادلته العداوة والحذر الشديد منه.. ومن هذه الآيات هو قوله تعالى : {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} ، وقوله تعالى : {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} ، وكذلك قوله تعالى : {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا}.. فلماذا إذن هذه الاستهانة بالشيطان ؟!.. ولماذا هذا الركون عن مواجهته ؟!.. ولماذا لا يتخذ الإنسان موقفاً جاداً ضد هذا العدو ، الذي لا ينفك في الترصد له ؟!.. أو ليس هو بصريح الآيات من ألد أعداء بني آدم ؟!.. أليس هو الذي أقسم بعزة الرحمن على غواية بني آدم : {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} ؟!.. أليس هو الذي يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم ؟!.. فهو إذن، بحق متمكن ، إذ له القدرة والخبرة العريقة في تنفيذ وعده.. أضف إلى جنوده في مملكة النفس وهما : الهوى ، والغضب ؛ فهذان إذا توافقا مع الشيطان ، أمكنهما أن يحدثا انقلاباً على سلطان وجوده ، وهو العقل.. ثم أنه لو لم يكن قادراً على ذلك ، لرأينا إبطالاً لذلك القسم ورداً عليه في القرآن الكريم.. والحال بأنه بالفعل عدو متمكن أيما تمكن ، فهلا انتبهنا لذلك ؟!.



3- وفي المقابل لذلك العدو اللدود ، هنالك قلعة حصينة ، أُمرنا بالالتجاء إليها ، ألا وهو رب العباد أجمعين ، ومن بيده ناصيتهم.. إن الشيطان مع كل ما لديه من القدرة والحيل والسبل للقضاء على بني آدم ، إلا أن كيده ضعيفاً -كما يصفه القرآن الكريم- ؛ فهو لا يعدو عن كونه عبد من عبيد الله عزوجل ؛ وإن لله تعالى القدرة على صرف كيده -إذا ما أراد- عن عبده المؤمن ، كما صرفه عن أوليائه طوال التأريخ.

وفي حديث مناسب -يشير إلى ذلك الحصن- للإمام الرضا (ع) عن أبيه عن جده عن النبي (ص) عن جبرئيل : أن الله عزوجل قال : ( لا إله إلا الله حصني ، فمَن دخل حصني أمن من عذابي).. والمقصود هنا هو تحقيق كلمة التوحيد ، بأن لا يرى الإنسان مؤثراً في الوجود إلا الله عزوجل.. وإلا لو كان الأمر مجرد تلفظاً ، لكان المسلمون جميعاً في حصن الله ، والحال بأن الواقع خلاف ذلك.. فإذن، الذي يرى هذه الحقيقة بعين البصيرة ، فيا ترى ألا يتخذ هذه الحقيقة حصنا ً؟!..


وينبغي ألا يغفل الإنسان عن حقيقة أخرى ذكرها القرآن الكريم ، وهي لزوم تجنب كل ما يصد عن ذكر الله عزوجل ، من الاشتغال بالنفس والأموال والأولاد وما شابه ذلك ؛ إلى حد الالتهاء والغفلة ؛ فإن هؤلاء أيضاً من أعداء الإنسان ، بالإضافة إلى العدو الأكبر الشيطان الرجيم.. وعليه، فإن الإنسان الملتفت الذي اكتشف بأن الأعداء يحيطون به من كل جانب ، لاشك في أنه سيهرب إليه تعالى ، بكل ما يستطيع من قوة ، ويتخذه حصناً وملجأًً.



4- ثم يقول الإمام (ع) : (ووقفت بين يديك مستكيناً لك متضرعاً إليك راجياً لما لديك ثوابي..) : إن أغلب الحجاج والمعتمرين يستحضرون هذا المعنى ، عندما يقفون عند باب الكعبة ، غير أنه في الحقيقة معنى ساذج وسطحي.. نعم، إن الله عزوجل جعل الكعبة اتجاهاً موحداً للمسلمين في كل العصور ، ولكنه أيضاً الله تعالى يقول في آية أخرى : {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ}.. فمن المؤكد أن الإنسان وهو في بيت الله تعالى يأنف الحرام.. فلو أن إنساناً - مثلاً- جاءته امرأة ودعته إلى الحرام وهو في بيت الله ، فإنه قطعاً سيردها ؛ لأنه يستعظم هذا الأمر ، ولا يتصور نفسه يقوم بهذا الحرام ، إذ هو يعيش حالة استحضار الهيمنة الإلهية عند البيت ، ولهذا فهو لا يفكر في الحرام فضلاً عن الاشتغال بمقدماته.. فلو أن الإنسان وسع هذه الدائرة ، ورأى الكون كله المسجد الحرام ، فهل يا ترى يبادر في ارتكاب المعصية ؟!.. ولو أنه عاش هذا الشعور من المحرومية الشديدة -كما تشبه بعض الروايات- ، بأن الذي يرتكب الحرام في بيت الله ، كمن زنا بمَحَرم له في البيت الحرام ؛ فهل يفكر أصلاً في الحرام ؟!..

فإذن، الذي يصل إلى هذه الدرجة من ديمومة هذا الشعور بالمعية الإلهية ، فإنه قد حقق ما يسمى بالعصمة الصغرى ، ولعل هذا هو السر في الحديث المعروف : (علماء أمتي أفضل من أنبياء بني أسرائيل) ؛ إذا تجاوزنا في تفسير هذه العبارة إلى غير المعصومين ، وجعلنا المراد ببني إسرائيل غير أولي العزم منهم.

يتبع إن شاء الله ...

الحق
عضو نشيط
عضو نشيط

عدد المساهمات : 125
نقاط : 363
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 24/06/2012

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: شرح المناجاة الشعبانية

مُساهمة من طرف الحق في السبت يونيو 30, 2012 11:50 pm

اللهم صل على محمد وآل محمد

المحاضرة (3)

- (وتعلم ما في نفسي ، وتخبر حاجتي ، وتعرف ضميري ، ولا يخفى عليك أمر منقلبي ومثواي..) : لقد وقع بحث بين العلماء في أنه ما هو الأسلوب الأمثل للإنسان الداعي.. هل من الأنسب له أن يجمل في الدعاء ، مفوضاً الأمر إلى مولاه عزوجل ، كما فعل إبراهيم الخليل (ع) حين ألقي في النار ، إذ قال : (علمه بحالي يغني عن سؤالي) ؟.. أو أنه يطلب من الله عزوجل طلبات كثيرة ، أي يعدد في الطلب لصغير الأمور وكبيرها ، حتى في ملح عجينه وعلف شاته ، كما أمُر نبي الله موسى (ع) ؟..

الجواب : فكما أن لله عزوجل تجليات مختلفة على عبده ، أيضاً فإن ارتباط العبد وحالاته مع ربه قد تختلف من حين لآخر.. فهو تارة يصل إلى حالة من الإنس الشديد بالحديث مع الرب المتعال ، والاشتغال بمدح صفاته وجلاله ؛ إلى درجة من الاستغراق في جلال الله وكماله ، مما تنسيه أن يلتفت إلى نفسه ويطلب حوائجه ؛ أو أنه قد يرى أن في التفاته إلى تلك الحوائج ، يشغله عن هذا التحليق ؛ ولهذا فهو في مثل هذه الحالات يفوض حوائجه كلها إلى الله..

وتارة أخرى تراه يعيش حالة الافتقار المطلق ، والاحتياج المبرم ، والاستكانة الشديدة ، مما يجعله يميل إلى أن يعدد في الطلبات واحدة واحدة ، ولو من باب الاسترسال في الحديث ، تأسياً بنبي الله موسى (ع) ، الذي عندما سأله رب العالمين : {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} ؛ فإذا به يغتنم الفرصة ليتحدث مع الله عزوجل ، حيث أخذ يفصل في الحديث : {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى}..

فإذن، هاتان حالتان تردان على الإنسان الداعي ، وعليه أن يختار من الحالتين ما يناسب وضعه الفعلي.. كما يحسن للمؤمن عند الدعاء ألا يقطع بأن المصلحة فيما يطلب ، فيملي على ربه إملاءً ، فإنه تعالى الأدرى بما يصلح عبده ، وقد ورد في الحديث القدسي هذا المضمون : (عبدي ادعني ولا تعلمني!).



2- (إلهي إن حرمتني فمن ذا الذي يرزقني وإن خذلتني فمن ذا الذي ينصرني..) : يحسن بالعبد -مع كونه متشبثاً بعالم الأسباب- الانقطاع المطلق إلى الله عزوجل.. فلا ينبغي أن يعلق قلبه وحاجته بزيد أو عمر ؛ ويظن أنه هو السبب في رزقه.. فإن الله تعالى هو مسبب الأسباب ، وأن الأسباب كلها في قبضته تعالى ، فهو المسبب سبحانه ، وإذا ما أراد شيئاً هيأ أسبابه.. وليس من الإنصاف أبداً ، أن يستجير المؤمن استجارة قلبية بعبد ضعيف مثله !.. بل من المناسب للإنسان أن يتعامل مع الناس ، وأن يعيش في أكنافهم ، ولكن ينبغي أن لا يعيش حالة الالتجاء إلى ما سوى الله عزوجل !..


3- (إلهي أعوذ بك من غضبك وحلول سخطك..) : وفي هذه إشارة جداً مخيفة !.. وهي أن لله عزوجل أحكام مع وقف التنفيذ ، فهو بتفضله وحلمه سبحانه وتعالى عندما يرى في عبده بعض بوادر الصلاح ، فمع ما له من الهفوات البسيطة الموجبة للعقوبة ، إلا أنه تعالى يوقف التنفيذ ؛ ولكن هذا العبد قد يرتكب ذنباً كبيراً ، وإذا بهذه الأحكام الموقفة منذ سنوات تنهال عليه واحدة واحدة.. والتأريخ ينقل صور متعددة من الذين وقعوا في أنواع من البلاء ، وترصد لهم الشيطان.. وإذا بذلك المؤمن يسلب منه إيمانه ، فيعيش حالة التبرم الشديد من القضاء والقدر ، والأسوأ من ذلك أنه يعيش حالة اليأس من رحمة الله ، فينتكس انتكاسة ذريعة ، كما يعبر القرآن الكريم بقوله تعالى : {فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}..

ومن هنا من الضروري للمؤمن أن يستعيذ بربه من حلول سخطه وغضبه.. بالإضافة إلى أن يكثر من جلسات الاستغفار ، وأن يجمل في استغفاره ، سائلاً الله عزوجل أن يغفر له ذنوبه أجمعها ؛ فقد يكون ناسياً لذنوب ارتكبها منذ زمن ، ولكن الله تعالى أحصاها ؛ والله تعالى لا يريد من عبده أن يعترف بذنوبه واحدة واحدة ، بل يكفي أن يعترف بها بالجملة.




4- (إلهي ما أظنك تردني في حاجة قد أفنيت عمري في طلبها منك..) : إن انقسام الناس واختلافهم ليس مقتصراً على السير في طريق الهدى أو الانحراف عنه ، فإن السائرين والعباد الصالحين أيضاً هم أقسام ودرجات.. فمنهم من يكون همه وقصارى جهده أن يحقق المغفرة الإلهية ، ليضمن الفوز العظيم بدخول الجنة والزحزحة عن النار.. بينما هنالك قسم آخر من الناس لهم من الأماني والطلبات العظمى التي تؤرق ليلهم ونهارهم.. إذ هؤلاء يطمحون في استعجال بعض المقامات الأخروية في الدنيا ، من قبيل الرضوان الإلهي ، والنظر إلى وجه الله تعالى ، وتحقيق حالة الإنس والتفاعل مع الله عزوجل ، والوصول إلى درجة المعية معه تعالى.. فكم من الجميل أن يحمل الإنسان هذا الهاجس !.. فلعله يرزق ذلك ولو قبل وفاته بأيام ، ولسان حاله لسان حال أمير المؤمنين : إلهي ما أظنك تردني في حاجة قد أفنيت عمري في طلبها منك !.. فليستحضر كل واحد نيته عندما يسمع هذه العبارة.. وطوبى لمن جعل نيته ما ذُكر آنفاً : من اللقاء قبل اللقاء ، من الموت قبل الموت ، من الحشر قبل الحشر ، من العيش في جنان الله قبل أن ينتقل إلى عالم الآخرة !.. وما ذلك على الله بعزيز.


يتبع المحاضرة الاخيرة.....

الحق
عضو نشيط
عضو نشيط

عدد المساهمات : 125
نقاط : 363
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 24/06/2012

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: شرح المناجاة الشعبانية

مُساهمة من طرف الحق في السبت يونيو 30, 2012 11:50 pm

المحاضرة (4) والأخيرة ..



1- (إلهي وقد أفنيت عمري في شرة السهو عنك ، وأبليت شبابي في سكرة التباعد منك..) : إن البعض قد تقتضي ظروفه الحياتية عدم وقوعه في المعاصي الكبرى ؛ نظراً لكون طبيعة حياته طبيعة خالية من أرضية المعصية ، وهذه نعمة لا تنكر من نعم الله عزوجل.. إلا أن الإمام (ع) هنا يفتح باباً أخر للتدبر ومحاسبة النفس ومعاتبتها ومعاقبتها ، ألا وهو باب الغفلة.. فلئن سلم الإنسان من الوقوع في الحرام ، فليحذر هذا الباب أيضاً !.. إذ كم من القبيح أن يتصرف الإنسان في حياته وكأنه لا مالك له !.. فهب أنه لم يرتكب الذنب ، ولكن هذه الغفلات المتتابعة تحتاج منه إلى استغفار شديد ، لأنه نوع من استخفاف بوجود المولى جل اسمه.. ومن هنا يُفهم موقف ولي الله تعالى إذا ما أكل طعاماً بدون تسمية ، إذ يعتبر نفسه وكأنه أكل ميتة..

فإذن ، فكما أن الذنوب توجب البعد عن الله عزوجل ، كذلك الأمر في الغفلة عن ذكره عزوجل ، ولهذا نحن نقرأ في دعاء كميل هذه العبارة : ( وكثرة شهواتي وغفلتي).. فالشهوات داعية للحرام ، وأما الغفلات فهي موجبة للبعد عن الله عزوجل.. ولا شك أن المؤمن الذي يعيش هذا الهاجس ، وتراه دائماً يتهم نفسه ويعيش بين الخوف والرجاء ، فإنه في مظان الرحمة والألطاف الإلهية.



2- (إلهي أنا عبد أتنصل إليك مما كنت أواجهك به ، من قلة استحيائي من نظرك..) : من المناسب بعض الأوقات أن يستذكر الإنسان جزئيات ذنوبه التي ارتكبها فيما مضى ، ليثبت لنفسه موقع الذلة أمام ربه جل وعلا.. فإن مشكلة المعصية أنها تبقي حرقة في قلب الإنسان ، إذ كيف هو استخف بأمر مولاه !.. فمثله كمثل إنسان أعرض عن رؤية والده ، الذي قد تحمل عناء السفر ، شوقاً لزيارته في الوطن الذي هو متواجد فيه.. فهب أن هذا الأب الشفيق غفر له زلته ، إلا أنه سيظل يعيش تأنيب الضمير طول عمره ، لاستخفافه بحق والده.. غير أن هذه الحالة من الخجل والتقصير في حق الله عزوجل ، من موجبات نزول الرحمة الغامرة على العبد.



3- (إلهي إن من تعرف بك غير مجهول ، ومن لاذ بك غير مخذول..) : إن الإنسان الذي يكون معروفاً بإيمانه في السماوات عند الله تعالى ، ويكون صوته مألوفاً عند ملائكة الرحمة في الرخاء والشدة ؛ فإنه إنسان غير مجهول ، لماذا ؟.. لأنه تعرف على من تنفعه معرفته ، كما نقرأ في دعاء عرفة : (إلهي ماذا وجد من فقدك؟!.. وماذا فقد من وجدك؟!..).. فلو أن إنساناً كان رئيساً لجمهوريات الأرض ، وأعطي لقب ملك الملوك ، في حين أنه مجهول في السماوات -وإن كان معروفاً في الأرض- ، فماذا ينفعه كل ذلك ؟!.. فلماذا يبحث الإنسان عن الشهرة وحسن الذكر عند المخلوقين ، مع أنه يعلم بأن رصيده عند الله تعالى ضعيف ؟!.. وعليه، فكل إنسان على هذه الشاكلة ، يزداد شهرة وسمعة بين الناس ، وينهال عليه الثناء من كل صوب ؛ حسناً لظاهره ، واعتقاداً بظاهره ، في حين أنه مجهول في السماوات ، فلا يعرفه الله عزوجل ، ولا تعرفه ملائكته ؛ إنما هو إنسان لا ينظر الله تعالى إليه ، ولا يعترف بوجوده ، بل ويسقطه من عينه تعالى ، كما نقرأ في مناجاة أبي حمزة : (وأسقطتني من عينك..).


4- (إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك ..) : يقال في اللغة : فلان انقطع إلى فلان ، أي استغنى به عن غيره في أخذ ما يحتاج أو يريد.. إن الإنسان في علاقته مع ربه إذا وصل لهذه الدرجة ، بحيث لا يرى مؤثراً في الوجود غير الله تعالى ، فيراه هو الرازق ، وهو الذي تصير إليه الأمور ، وهو الذي بيده خزائن كل شيء ، وهو الذي يحي ويميت ، وهو الذي بيده الخير ، وهو الذي على كل شيء قدير ؛ فإنه هل يحتاج أن يراجع الآخرين ، وهو يعلم يقيناً أن الكل مفتقرون إلى رحمته تعالى ؟!..

إلا أن الانقطاع له درجات ، فقد ينقطع الإنسان إلى الله عزوجل في ساعات الإقبال ، أو في جوف الليل ، أو في أثناء سفرة لحج أو عمرة ؛ فإن هذا ليس هو الانقطاع الكامل.. إن الانقطاع الكامل هو أن ينقطع الإنسان عن كل فرد في الوجود ، في كل زمان ، وفي كل مكان ، وفي كل حال.. فإذا انطبقت هذه العمومات الأربع : عموم أفرادي ، ومكاني ، وزماني ، وأحوالي ؛ على حياة الإنسان ، فقد حقق كمال الانقطاع المقصود.


5- (وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك ، حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور..) :

ما المراد هنا بحجب النور ؟..

وكيف يعبر عن النور الذي ينير الطريق بالحجاب ؟..

النور والحجاب ضدان فما وجه اجتماعهما هنا ؟..

قد يكون الجواب : في أن بعض الأمور التي هي موصلة إلى الله عزوجل : كالدعاء ، والحج ، والعمرة ، والمطالعات الثقافية... ؛ إذا نُظر إليها في نفسها ، فإنه يتحول الأمر إلى حجاب بين العبد وبين ربه.. كمثل إنسان ينشغل بسيارته زيادة عن اللزوم : تزييناً وتلميعاً وما شابه ذلك ، فيصده ذلك الانشغال عن الوصول بها إلى هدفه.. إذ أن الإنسان في بعض الحالات يعجب بذاته ، فيراها جميلة ، لما هي عليه من العلم والعبادة ، وغيره من الملكات الحسنة ، فيصده هذا الإعجاب عن سبيل الله.. فإذن، السالك إلى الله تعالى ، إذا انشغل بأي شيء -ولو كان بجنسه نورياً- ، فقد وقع في الفخ الخفي ، وهذا من صور الشرك الذي لا يلتفت إليه إلا الخواص من العباد.




6- ( فتصل إلى معدن العظمة وتصير أرواحنا معلقة بعز قدسك..) : إن الإنسان مهما بلغ بنفسه من الكمال ، إلا أنه ما وزن نفسه أمام عظمة الخالق جل وعلا ؟!.. إن هذه النفس إذا اندكت في عالم العرش ، فقد حققت معنى الفناء ، لا الفناء بمعنى وحدة الوجود ، وإنما أن لا يرى الإنسان لنفسه خصوصية في قبال ذلك الوجود الذي غمر نوره كل شيء.

7- ( إلهي واجعلني ممن ناديته فأجابك ، ولاحظته فصعق لجلالك ، فناجيته سراً ، وعمل لك جهرا..) : الإمام (ع) يشير إلى ما حدث للكليم نبي الله موسى (ع) ، مثيراً الشهية لسؤال الرب المتعال ، للوصول إلى مرتبة مشابهة لمرتبة الكليم (ع).. إلا أن هذه الحالة من الصعق لجلال الله عزوجل ، يرجى من ورائها هدف سامٍ ، وليس هو للتقوقع والترهبن ومقاطعة المجتمع.. إن موسى (ع) بمجرد أن أنهى لقاءه مع رب العالمين ، رجع إلى قومه ليواصل مهمته التبليغية.. ومن هنا يتضح موقع صلاة الليل في حياة المؤمن ، فهو ليلاً يعيش الخلوة مع ربه ، إذ يناجيه سراً ، ثم هو في النهار يعكس آثار ذلك بالعمل جهراً في خدمة المجتمع.


8- (إلهي وألحقني بنور عزك الأبهج ، فأكون لك عارفا ، وعن سواك منحرفا ، ومنك خائفاً مراقبا..) : إن الإنسان إذا التحق بهذا النور الإلهي ، فإنه سيترتب على ذلك آثاراً في حياته :


الأول : أن هذا النور ينير له الطريق ، فيصل إلى معرفة الله عزوجل.

والثاني : تحصل لديه حالة زهد قهرية عن كل ما سوى الله عزوجل ، فلا يتعلق قلبه بشيء أبداً

الثالث :تنشأ عنده حالة الخوف والمراقبة لكل أموره - صغيرها وكبيرها- ، بحيث ينزجر تلقائياً عن كل ما يغضب الله عزوجل.. لأنه وصل إلى درجة يرى فيها ذلك البطش الإلهي ، الذي يكفيه عن كل واعظ.. أضف إلى أن رؤيته لذلك الجمال والجلال والرحمة الإلهية ، تدفعه إلى أن يكون راجياً لله عزوجل في كل أحواله.

الحق
عضو نشيط
عضو نشيط

عدد المساهمات : 125
نقاط : 363
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 24/06/2012

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى